النووي
32
تهذيب الأسماء واللغات
وقال أبو هريرة رضي اللّه عنه : خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الدنيا ، ولم يشبع من خبز الشعير - يعني للعدم « 1 » - ، وكان يأتي الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار ، وكان يأكل الهديّة ولا يأكل الصدقة ، ويكافئ على الهدية ، ويخصف النعل ، ويرقع الثوب ، ويعود المريض ، ويجيب من دعاه من غني أو فقير ، أو دنيّ أو شريف ، ولا يحتقر أحدا . وكان يقعد تارة القرفصاء ، وتارة متربّعا ، واتكأ في أوقات ، وفي كثير من الأوقات أو في أكثرها محتبيا بيديه ، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ، ويلعقهن ، ويتنفّس في الشراب بالإناء ثلاثا خارج الإناء ، ويتكلم بجوامع الكلم ، ويعيد الكلمة ثلاثا لتفهم ، وكلامه بيّن يفهمه من سمعه ، ولا يتكلم في غير حاجة ، ولا يقعد ولا يقوم إلا على ذكر اللّه تعالى . وركب الفرس ، والبعير ، والحمار ، والبغلة ، وأردف معه خلفه على ناقة ، وعلى حمار ، ولا يدع أحدا يمشي خلفه . وعصب على بطنه الحجر من الجوع ، وكان يبيت هو وأهله الليالي طاوين ، وفراشه من أدم حشوه ليف ، وكان متقلّلا من أمتعة الدنيا كلها ، وقد أعطاه اللّه تعالى مفاتيح خزائن الأرض كلها ، فأبى أن يأخذها ، واختار الآخرة عليها . وكان كثير الذكر ، دائم الفكر ، جلّ ضحكه التبسم ، وضحك في أوقات حتى بدت نواجذه ، وهي الأنياب ، ويحبّ الطّيب ، ويكره الريح الكريهة ، ويمزح ولا يقول إلا حقا ، ويقبل عذر المعتذر إليه ، وكان كما وصفه اللّه تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ التوبة : 128 ] ، وقال تعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [ التوبة : 103 ] ، وكانت معاتبته تعريضا : « ما بال قوم يشترطون شروطا ليست في كتاب اللّه تعالى » « 2 » ، ونحو ذلك ، ويأمر بالرّفق ويحثّ عليه ، وينهى عن العنف ، ويحث على العفو ، والصفح ، ومكارم الأخلاق . ويحب التّيمّن في طهوره ، وترجّله ، وتنعّله ، وفي شأنه كلّه ، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى . وإذا نام واضطجع اضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة . وكان مجلسه مجلس حلم وحياء ، وأمانة وصيانة ، وصبر وسكينة ، لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تؤذى فيه الحرم - أي : لا يذكر فيه النساء - ، يتعاطفون فيه بالتقوى ويتواضعون ، ويوقّر الكبار ، ويرحم الصغار ، ويؤثرون المحتاج ، ويحفظون الغريب ، ويخرجون أدلة على الخير . وكان يتألف أصحابه ، ويكرم كريم كل قوم ، ويولّيه أمرهم ، ويتفقّد أصحابه ، ولم يكن فاحشا ولا متفحّشا ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، بل يعفو ويصفح ، ولم يضرب خادما ، ولا امرأة ، ولا شيئا قط ، إلا أن يجاهد في سبيل اللّه ، وما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما . ودلائل كل ما ذكرته في الصحيح مشهورة . وقد جمع اللّه سبحانه وتعالى له صلّى اللّه عليه وسلم كمال الأخلاق ، ومحاسن الشّيم ، وآتاه علم الأولين والآخرين ، وما فيه النجاة والفوز ، وهو أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب ، ولا معلّم له من البشر ، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين ، واختاره على جميع الأولين والآخرين صلوات اللّه عليه وسلامه ،
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 5414 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 2735 ) ، ومسلم ( 1504 ) ( 6 ) من حديث عائشة ، في قصة الجارية بريرة .